فخر الدين الرازي
101
المطالب العالية من العلم الإلهي
الأثر ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه ، كان باطلا فوجب أن يكون القول بأن تأثير المؤثر في الأثر [ نفس ] « 1 » ذلك الأثر : قولا باطلا . والوجه الثالث في إبطال هذا الكلام : إما أن نفسر إيجاد اللّه تعالى للعالم بنفس العالم ، وإما أن نفسره لا بنفس العالم ، بل بصدور العالم من قدرة اللّه تعالى ، والأول باطل ، لأن بتقدير أن يوجد العالم لذاته ، أو يوجد بإيجاد موجود آخر غير اللّه ، لم يصح القول بأن العالم حصل بإيجاد اللّه تعالى ، فثبت أن إيجاد اللّه تعالى [ للعالم ] « 2 » لا يمكن تفسيره بنفس العالم ، وإنما يمكن تفسيره بوقوع العالم من قدرة اللّه [ تعالى ، وعند هذا نقول : ظهر أن كون العالم من قدرة اللّه تعالى ، مغاير لذات العالم ، ولذات القدرة ] « 3 » فوجب أن يكون مفهوما ثالثا ، فثبت أن تأثير المؤثر في الأثر ، لا يجوز أن يكون نفس ذات المؤثر ، ولا يجوز أن يكون نفس ذات الأثر ، فوجب أن يكون أمرا مغايرا لهما . والوجه الرابع « 4 » في بيان أن تأثير الشيء في الشيء ، يمتنع أن يكون عين ذات المؤثر وعين الأثر : هو أن كون المؤثر مؤثرا في الأثر ، وكون الأثر أثرا للمؤثر من مقولة المضاف ، وأما ذات المؤثر وذات الأثر فليسا كذلك . لأنا إذا قلنا : إن اللّه تعالى خلق العالم ، فذات المؤثر هي ذات واجب الوجود ، وذات الأثر هو ذات العالم . فثبت بهذه البراهين الأربعة « 5 » : أنه لو أثر شيء في شيء ، لكانت مؤثرية أحدهما في الآخر ليست عين ذات المؤثر ، ولا عين ذات الأثر ، بل كانت مفهوما ثالثا مغايرا لهما . وأما القسم الثاني وهو أن يقال المفهوم من المؤثرية مفهوم ثالث مغاير لذات المؤثر ولذات الأثر .
--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) في الأصل : الخامس . ( 5 ) في الأصل : الخمسة .